سيد محمد طنطاوي

375

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

نصا في قوله - تعالى - : وإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ ومِنْكَ ومِنْ نُوحٍ وإِبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ . . . ولا خلاف في أن محمدا صلى اللَّه عليه وسلم أفضلهم . . « 1 » . وإنما خص كتاب داود بالذكر ، لأن اليهود زعموا أنه لا نبي بعد موسى ، ولا كتاب بعد التوراة ، فكذبهم اللَّه - تعالى - في ذلك ، ولأن في هذا الإيتاء إشارة إلى أن تفضيل داود لم يكن بسبب ما أعطاه اللَّه من ملك ، بل بسبب ما أعطاه من كتاب فيه إشارة إلى تفضيل الرسول صلى اللَّه عليه وسلم وأمته ، قال - تعالى - : ولَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ « 2 » . والمراد بالعباد الصالحين : محمد صلى اللَّه عليه وسلم وأمته . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : هلا عرف الزبور ، كما عرف في قوله : ولَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ . . . ؟ . قلت : يجوز أن يكون الزبور وزبور ، كالعباس وعباس ، والفضل وفضل . ويجوز أن يريد : وآتينا داود بعض الزبر - وهي الكتب ، وأن يريد ما ذكر فيه رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم من الزبور ، فسمى ذلك زبورا ، لأنه بعضها كما سمى بعض القرآن قرآنا « 3 » . ثم أمر اللَّه - تعالى - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يتحدى المشركين ، بأن يبين لهم : أن آلهتهم المزعومة لا تملك دفع الضر عنهم ، أو جلب الخير لهم ، بل إن هذه الآلهة لتخاف عذاب اللَّه ، وترجو رحمته ، فقال - سبحانه - : [ سورة الإسراء ( 17 ) : الآيات 56 إلى 57 ] قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِه فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ ولا تَحْوِيلًا ( 56 ) أُولئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ ويَرْجُونَ رَحْمَتَه ويَخافُونَ عَذابَه إِنَّ عَذابَ رَبِّكَ كانَ مَحْذُوراً ( 57 )

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 3 ص 46 . ( 2 ) سورة الأنبياء الآية 105 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 2 ص 673 .